أحمد بن محمد القسطلاني

381

ارشاد الساري لشرح صحيح البخاري

جزيرة من جزائر البحر ( فكان من شأنهما الذي قص الله ) عز وجل ( في كتابه ) في سورة الكهف . وهذا الحديث قد سبق في باب ما ذكر في ذهاب موسى إلى الخضر من كتاب العلم . 3401 - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ : « قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ إِنَّ نَوْفًا الْبَكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى صَاحِبَ الْخَضِرِ لَيْسَ هُوَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ ، فَقَالَ : كَذَبَ عَدُوُّ اللَّهِ ، حَدَّثَنَا أُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ عَنِ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّ مُوسَى قَامَ خَطِيبًا فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَسُئِلَ : أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ ؟ فَقَالَ : أَنَا . فَعَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ إِذْ لَمْ يَرُدَّ الْعِلْمَ إِلَيْهِ فَقَالَ لَهُ : بَلَى ، لِيَ عَبْدٌ بِمَجْمَعِ الْبَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ . قَالَ : أَىْ رَبِّ وَمَنْ لِي بِهِ ؟ - وَرُبَّمَا قَالَ سُفْيَانُ : أَىْ رَبِّ وَكَيْفَ لِي بِهِ ؟ - قَالَ : تَأْخُذُ حُوتًا فَتَجْعَلُهُ فِي مِكْتَلٍ ، حَيْثُمَا فَقَدْتَ الْحُوتَ فَهْوَ ثَمَّ - وَرُبَّمَا قَالَ : فَهْوَ ثَمَّهْ - وَأَخَذَ حُوتًا فَجَعَلَهُ فِي مِكْتَلٍ ثُمَّ انْطَلَقَ هُوَ وَفَتَاهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَتَّى إذا أَتَيَا الصَّخْرَةَ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا ، فَرَقَدَ مُوسَى ، وَاضْطَرَبَ الْحُوتُ فَخَرَجَ فَسَقَطَ فِي الْبَحْرِ ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا ، فَأَمْسَكَ اللَّهُ عَنِ الْحُوتِ جِرْيَةَ الْمَاءِ فَصَارَ مِثْلَ الطَّاقِ - فَقَالَ : هَكَذَا مِثْلُ الطَّاقِ - فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمَهُمَا ، حَتَّى إِذَا كَانَ مِنَ الْغَدِ قَالَ لِفَتَاهُ . آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا . وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى النَّصَبَ حَتَّى جَاوَزَ حَيْثُ أَمَرَهُ اللَّهُ . قَالَ لَهُ فَتَاهُ : أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ ، وَمَا أَنْسَانِيهِ إِلاَّ الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ، وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا ، فَكَانَ لِلْحُوتِ سَرَبًا وَلَهُمَا عَجَبًا . قَالَ لَهُ مُوسَى : ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِي ، فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا - رَجَعَا يَقُصَّانِ آثَارَهُمَا - حَتَّى انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ ، فَإِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ ، فَسَلَّمَ مُوسَى ، فَرَدَّ عَلَيْهِ فَقَالَ : وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلاَمُ قَالَ : أَنَا مُوسَى ، قَالَ مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، أَتَيْتُكَ لِتُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رَشَدًا . قَالَ : يَا مُوسَى إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لاَ تَعْلَمُهُ ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَكَهُ اللَّهُ لاَ أَعْلَمُهُ . قَالَ : هَلْ أَتَّبِعُكَ ؟ قَالَ : { إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا } - إِلَى قَوْلِهِ - { إِمْرًا } . فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ ، فَمَرَّتْ بِهِمَا سَفِينَةٌ كَلَّمُوهُمْ أَنْ يَحْمِلُوهُمْ ، فَعَرَفُوا الْخَضِرَ فَحَمَلُوهُ بِغَيْرِ نَوْلٍ . فَلَمَّا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ جَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ ، فَنَقَرَ فِي الْبَحْرِ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ ، قَالَ لَهُ الْخَضِرُ : يَا مُوسَى ، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ إِلاَّ مِثْلَ مَا نَقَصَ هَذَا الْعُصْفُورُ بِمِنْقَارِهِ مِنَ الْبَحْرِ ، إِذْ أَخَذَ الْفَأْسَ فَنَزَعَ لَوْحًا ، قَالَ : فَلَمْ يَفْجَأْ مُوسَى إِلاَّ وَقَدْ قَلَعَ لَوْحًا بِالْقَدُّومِ ، فَقَالَ لَهُ مُوسَى : مَا صَنَعْتَ ؟ قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ عَمَدْتَ إِلَى سَفِينَتِهِمْ فَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا ، لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا . قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ : لاَ تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ ، وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا . فَكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا . فَلَمَّا خَرَجَا مِنَ الْبَحْرِ مَرُّوا بِغُلاَمٍ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ ، فَأَخَذَ الْخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَلَعَهُ بِيَدِهِ هَكَذَا - وَأَوْمَأَ سُفْيَانُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ كَأَنَّهُ يَقْطِفُ شَيْئًا - فَقَالَ لَهُ مُوسَى : أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ؟ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا . قَالَ : أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا ؟ قَالَ : إِنْ سَأَلْتُكَ عَنْ شَىْءٍ بَعْدَهَا فَلاَ تُصَاحِبْنِي ، قَدْ بَلَغْتَ مِنْ لَدُنِّي عُذْرًا . فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا ، فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا ، فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ مَائِلاً - أَوْمَأَ بِيَدِهِ هَكَذَا ، وَأَشَارَ سُفْيَانُ كَأَنَّهُ يَمْسَحُ شَيْئًا إِلَى فَوْقُ ، فَلَمْ أَسْمَعْ سُفْيَانَ يَذْكُرُ " مَائِلاً " إِلاَّ مَرَّةً - قَالَ : قَوْمٌ أَتَيْنَاهُمْ فَلَمْ يُطْعِمُونَا وَلَمْ يُضَيِّفُونَا ، عَمَدْتَ إِلَى حَائِطِهِمْ ، لَوْ شِئْتَ لاَتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا . قَالَ : هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ ، سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا . قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : وَدِدْنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ صَبَرَ فَقَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مِنْ خَبَرِهِمَا . قَالَ سُفْيَانُ : قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَوْ كَانَ صَبَرَ يُقَصُّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَمَامَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ صَالِحَةٍ غَصْبًا . وَأَمَّا الْغُلاَمُ فَكَانَ كَافِرًا وَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ . ثُمَّ قَالَ لِي سُفْيَانُ : سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ . قِيلَ لِسُفْيَانَ : حَفِظْتَهُ قَبْلَ أَنْ تَسْمَعَهُ مِنْ عَمْرٍو أَوْ تَحَفَّظْتَهُ مِنْ إِنْسَانٍ ؟ فَقَالَ : مِمَّنْ أَتَحَفَّظُهُ ، وَرَوَاهُ أَحَدٌ عَنْ عَمْرٍو غَيْرِي ؟ سَمِعْتُهُ مِنْهُ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلاَثًا وَحَفِظْتُهُ مِنْهُ " . وبه قال : ( حدّثنا علي بن عبد الله ) المديني قال : ( حدّثنا سفيان ) بن عيينة قال : ( حدّثنا عمرو بن دينار ) المكي ( قال : أخبرني ) بالإفراد ( سعيد بن جبير ) بضم الجيم مصغرًا الكوفي ( قال : قلت لابن عباس أن نوفًا ) بفتح النون وسكون الواو وتنوين الفاء ابن فضالة بفتح الفاء والضاد المعجمة أبا يزيد القاص ( البكالي ) بكسر الموحدة وتخفيف اللام والكاف على الصواب ، ونقل عن المهلب والصدفي وأبي الحسن بن سراج نسبة إلى بكال من حمير وضبطه أكثر المحدّثنين فما قاله عياض البكالي بفتح الموحدة وتشديد الكاف قال : وكذا قيدناه عن أبي بحر وابن أبي جعفر عن العذري وقاله أبو ذر نسبة إلى بكال بن دعمى ( يزعم أن موسى صاحب الخضر ) الذي قص الله عنهما في سورة الكهف ( ليس هو موسى بني إسرائيل إنما هو موسى آخر ) يسمى موسى بن ميشا بن إفراثيم بن يوسف بن يعقوب وموسى الثاني منوّن للفرق ( فقال ) ابن عباس : ( كذب عدوّ الله ) نوف فيما زعم قاله مبالغة في الإنكار والزجر وكان في شدة غضبه لا أنه يعتقد ذلك ( حدّثنا أبي بن كعب عن النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - ) : ( إن موسى قام خطيبًا في بني إسرائيل فسئل أيّ الناس أعلم ) أي منهم ( فقال ) بحسب اعتقاده ( أنا ) أعلم الناس وهذا أبلغ من قوله في الرواية السابقة هل تعلم أحدًا أعلم منك : قال : لا . فإنه نفى هناك علمه وفي هذه الرواية على البت ( فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه ) فيقول نحو الله أعلم ( فقال ) الله ( له : بلى لي عبد ) هو خضر ( بمجمع البحرين ) ملتقى بحري فارس والروم مما يلي المشرق ( هو أعلم منك ) أي بشيء مخصوص ( قال ) موسى ( أي ) أي يا ( رب ومن لي به ) ؟ أي ومن يتكفل لي برؤيته ( وربما قال سفيان ) بن عيينة ( أي رب وكيف لي به ) ؟ أي وكيف يتهيأ لي أن أظفر به ( قال ) تعالى : { تأخذ حوتًا ) مملوحًا ( فتجعله في مكتل ) بكسر الميم وسكون الكاف وفتح الفوقية زنبيل ( حيثما فقدت الحوت ) بفتح القاف ( فهو ) أي الخضر ( ثم ) بفتح المثلثة وتشديد الميم ( وربما قال فهو ثمة ) بزيادة هاء السكت الساكنة أي هناك ( وأخذ ) بالواو موسى ( حوتا ) مملوحًا ( فجعله في مكتل ) كما أمر ( ثم انطلق هو وفتاه يوشع بن نون ) بالصرف كنوح ( حتى أتيا ) ولأبي ذر حتى إذا أتيا ( الصخرة ) التي عند ساحل مجمع البحرين ويقال ثمة عين تسمى بعين الحياة " وضعا رؤوسهما فرقد موسى واضطرب الحوت " أي تحرك لأنه أصابه من ماء عين الحياة ( فخرج ) من المكتل ( فسقط في البحر فاتخذ سبيله ) طريقه ( في البحر سربًا ) مسلكًا ( فأمسك الله ) عز وجل ( عن الحوت جرية الماء فصار ) عليه ( مثل الطاق ) وفي نسخة في مثل الطاق ( فقال : هكذا مثل الطاق ) أي مثل عقد البناء قال الكرماني : معجزة لموسى والخضر ( فانطلقا ) موسى وفتاه ( يمشيان بقية ليلتهما ويومهما ) بنصب اليوم ( حتى إذا كان من الغد قال ) موسى ( لفتاه ) يوشع : ( آتنا غداءنا ) طعامنا الذي نأكله أوّل النهار ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبًا ) تعبًا ( ولم يجد موسى النصب حتى جاوز حيث أمره الله ) تعالى ( قال له فتاه ) يوشع : ( أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة فإني نسيت الحوت ) أن أخبرك بحياته وانتضاب الماء مثل الطاق وغيره ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) لها بهر العقل من عظيم القدرة ( واتخذ سبيله في البحر ) سبيلاً ( عجبًا ) مفعول ثان لاتخذ وهو كونه كالسرب ( فكان للحوت ) أي لدخول الحوت في الماء ( سربًا ) مسلكًا ( ولهما ) لموسى وفتاه ( عجبًا ) فإنه جمد الماء أو صار صخرًا ( قال له موسى ذلك ) الذي ذكرته ( ما كنا نبغي فارتدّا على آثارهما ) يقصان ( قصصًا ) أي ( رجعا ) في الطريق الذي جاءا فيه ( يقصان آثارهما ) قصصًا أي يتبعان آثار مسيرهما اتباعًا ( حتى انتهيا إلى الصخرة ) فذهبا يلتمسان الخضر ( فإذا رجل ) نائم ( مسجى بثوب ) أي مغطى كله به ( فسلم موسى )